الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

174

مناهل العرفان في علوم القرآن

منشأ التشابه وأقسامه وأمثلته نعلم مما سبق أن منشأ التشابه إجمالا ، هو خفاء مراد الشارع من كلامه . أما تفصيلا فنذكر أن منه ما يرجع خفاؤه إلى اللفظ ، ومنه ما يرجع خفاؤه إلى المعنى ، ومنه ما يرجع خفاؤه إلى اللفظ والمعنى معا . ( فالقسم الأول ) وهو ما كان التشابه فيه راجعا إلى خفاء في اللفظ وحده ، منه مفرد ومركب ، والمفرد قد يكون الخفاء فيه ناشئا من جهة غرابته أو من جهة اشتراكه . والمركب قد يكون الخفاء فيه ناشئا من جهة اختصاره ، أو من جهة بسطه ، أو من جهة ترتيبه . مثال التشابه في المفرد بسبب غرابته وندرة استعماله ، لفظ الأبّ بتشديد الباء في قوله سبحانه . وَفاكِهَةً وَأَبًّا وهو ما ترعاه البهائم . بدليل قوله بعد ذلك : ( مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ) . ومثال التشابه في المفرد بسبب اشتراكه بين معان عدة ، لفظ اليمين في قوله سبحانه : ( فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ ) أي فأقبل إبراهيم على أصنام قومه ضاربا لها باليمين من يديه لا بالشمال ، أو ضاربا لها ضربا شديدا بالقوة ؛ لأن اليمين أقوى الجارحتين ، أو ضاربا لها بسبب اليمين التي حلفها ونوه بها القرآن إذ قال وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ . كل ذلك جائز . ولفظ اليمين مشترك بينها . ومثال التشابه في المركب بسبب اختصاره ، قوله تعالى : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ فإن خفاء المراد فيه ، جاء من ناحية إيجازه والأصل : وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى لو تزوجتموهن ، فانكحوا من غير هن ما طاب لكم من النساء . ومعناه أنكم إذا تحرجتم من زواج اليتامى مخافة أن تظلموهن ؛ فأمامكم غيرهن فتزوجوا